موسيقى فريدة ذات طابع مذهل تشكل مزيجاً بين الفلامنغو والشعبي، يقدمها اثنان من العازفين الاستثنائيين من منطقة المتوسط.

عندما يلتقي أحد أساتذة جيتار الفلامينغو بنجم الموسيقى الشعبية الذي يعزف على آلة المندول، فإن الحوار الموسيقي الذي يدور بينهما يشكل جسراً عربياً-أندلسياً جديداً يصل بالمستمع إلى مستوى جديد من البراعة الفنية.

استمع إلى الموسيقى

يعشق خوان كارمونا، ذو الصيت المرموق في أوساط موسيقى الفلامنغو بورو صعبة الإرضاء والموسيقى العالمية بشكل عام على حد سواء، المضي بشغفه نحو مناطق صوتية فريدة.

ومن جانبه، يأتي عازف المندول بتيت موه، الذي يرافق فرقة “غناوة ديفيوجن” وكريم زياد في رحلاتهم، ليبتكر من خلال حواره مع خوان كارمونا لغة مشتركة تمتاز بثرائها اللامحدود.

ويتشابه الموسيقيان المميزان مع بعضهما من حيث رغبة كل منهما بالاستكشاف وإثراء أدائهما بجماليات الموسيقى العالمية والجاز، دون أن يتنكّر لجذوره أو ارتباطه بالموسيقى التقليدية.

موسيقى فريدة ذات طابع مذهل تشكل مزيجاً بين الفلامنغو والشعبي، تقدمها الأيدي الماهرة لاثنين من العازفين الاستثنائيين من منطقة المتوسط.

نبذة عن الفنانين المشاركين

خوان كارمونا
لو كان على خوان كارمونا أن يؤلف كتاباً يروي قصة حياته، فإن عنوانه سيكون “القصة الجميلة“، على اسم فيلم كلود لولوش الذي ألّف كارمونا موسيقاه عام 1992.

قصة كارمونا بدأت عندما هاجرت عائلته من شمال أفريقيا إلى فرنسا خلال الإقصاء الذي جرى في بدايات السيتينات من القرن الماضي، حيث ولد في مدينة ليون، وقدم له والده أول غيتار عندما كان عمره 10 سنوات فقط. ومنذ ذلك الحين، اجتمع شغفه بهذه الآلة مع قدراته الكيبرة ليظهر مع مرور الزمن براعة فائقة نجحت في خطف أنظار المحترفين خلال وقت قصير.

وبعد أن أتقن كارمونا عزف الغيتار، قطع رحلة بالاتجاه المعاكس نحو إسبانيا، شاعراً بضرورة أن يعود إلى أرض أجداده ليسترجع الصلة مع جذوره ويتعلم الفلامنغو من مصدره الأم في مدينة خيريث دي لا فرونتيرا، حيث نجح في لفت الأنظار بسرعة في المدينة التي تُعد مهد الفلامنغو، وذلك بفضل موهبته وتفرد أسلوبه الفني.

وهناك، واظب كارمونا على تشرّب معارف أكثر أشكال الفلامنغو نقاءً على مدى تسع سنوات، حيث كان محاطاً بأهم قامات الفلامنغو من أمثال خواكين جريلو، آجوخيتاس، دوكيندي، أنتونيو كاناليس، تشانو دومينجيث وغيرهم الكثير. ثم سجل أول ألبوماته لينال جوائز دولية متعددة بما فيها جائزة مسابقة خيريث الدولية المرموقة، إضافة إلى وصوله إلى المرحلة النهائية لمسابقة اتحاد قرطبة، وجائزة “باكو دي لوثيا” ذات الأهمية الكبرى.

ولدى الحديث عن سجل كارمونا الحافل بالجوائز والتكريمات، فلا بد من ذكر إنجاز فريد: وهو انتصاره الأخير في إسبانيا والذي تمثل في الشعبية الكبيرة التي حققها هذا الغجري القادم من فرنسا، والتي عاد إليها ليقدم أعمالاً موسيقية مشتركة مع عدد من الفنانين: سيلفان لوك، لاري كورييل، ماركوس ميلر، يان جارباريك، تريلوك جورتو، سوبرامانيان، بادين بوفيل والكثير غيرهم؛ حيث كان يثري أسلوبه الموسيقي مع كل واحد من هذه الأعمال.

هذا الفنان المبدع والفضولي يحمل توقاً يبدو أنه لا ينطفئ للتعلم، وهذا بالضبط ما أوصله إلى المكانة التي يحتلها حالياً كواحد من أفضل عازفي الغيتار على الساحة الدولية. ويكتب كارمونا موسيقاه بالذاكرة والأذن والقلب والشغف. ويحق له، وهو الذي علم نفسه بنفسه، أن يفخر بتأليفه أعمالاً مثل “سينفونيا فلامينكا” و“أورياس“، والتي تؤديها اليوم العديد من الفرق الأوركسترالية حول العالم، مثل “أوركسترا سانت لويس السيمفونية” (الولايات المتحدة)، “الأوكسترا الفيلهارمونية الروسية” (روسيا)، وحتى “أوركسترا ليون الوطنية” (فرنسا).

سِجِل كارمونا، والذي يجري حالياً جولة حول العالم بصحبة فرقته الموسيقية تشمل الولايات المتحدة والصين وكندا وغيرها، لم يقف عند ذلك، فقد تم ترشيح ألبوماته “ألكيميا“، “أورياس“، “سينفونيا فلامنكا“، و“إل سنتيدو ديل آيري” لجوائز “جرامي” اللاتينية، عن فئة “أفضل ألبوم فلامنغو للعام“، كما نال جائزة “شارل كروس” الكبرى لعام 2015، ومنحته اليونيسكو “جائزة زرياب الكبرى للبراعة الموسيقية”. وفي عمله الجديد “بيرلا ديل أورينتي” (سبمتبر 2016)، والذي سجله خلال جولته الأخيرة في آسيا، يضع كارمونا المستمع في الأجواء الساحرة لحفلاته الموسيقية.

هكذا، يواصل خوان كارمونا، الذي نال تقدير أبرز الأسماء في عالم الفلامنغو، تحليقه في فضاء الشغف الإبداعي، ليقف عند نقطة التقاء الحداثة الموسيقية بأحد أعرق تقاليد الفلامنغو الأندلسي وأكثرها حيوية في آن معاً، ليثبت نفسه كرائد للابتكار وأحد أكثر موسيقيي جيله جرأة.

بتيت موه
يُعد محمد عبد النور، الملقب “ بتيت موه“، ابن الموسيقى التقليدية. فبعد أن بدأ دراسة العزف على آلة المندول، افتتن بتناغمها وتوزيعاتها، ليصبح فيما بعد أحد أكثر العازفين خبرةً وكمالاً على هذه الآلة التي تحضر بقوة في موسيقى الشعبي.

ويقوم بتيت موه بالتأليف والتوزيع الموسيقي، وهو يساهم بفعالية لا في تقديم المندول وفق رؤية عصرية وحسب، بل كذلك في تطوير هذه الآلة التي بات يعرفها تمام المعرفة.

وإلى جانب شغفه بالتأليف، يتمتع بتيت موه بموهبة مؤثرة كمؤدٍ أيضاً، ويستثمر قدراته إلى الحد الأقصى في ابتكاره لأطيافه النغمية والإيقاعية والهارمونية.

ويتقن بتيت موه العزف على آلات عديدة، وهو يستغل ذلك في تنويع مجالات نشاطه الفني، والتي تشمل المساهمة في الأعمال المسرحية، وموسيقى الأفلام، إلى جانب عمله على تحويل الآلات الوترية (كالبانجو والمندول والجمبري والغيتار والعود… إلخ) إلى آلات شعبية.

وإضافة إلى كل ما سبق، فإن بتيت موه هو أيضاً المدير الفني لأوركسترا “إل جوستو“، حيث يدير أعمالاً فنية متنوعة بمساعدة ميك جونز (الملقب بـ “ذا كلاش”).

ويشارك الملحن ذو الموهبة الكبيرة في تأليف الأغاني لمجموعة واسعة من الفنانين، كمغني الراب ميدين، وفرقة “غناوة ديفيوجن“، ومجموعة “راي إن بي فيفر“، وجيزمو (فريق “تريو”)، ودانييل وارو، وراؤول باربوسا، و فرقة “ها كا إيه ليه ديزيرتور“، و“ديزرت ريبل“، وإيدير، و“شيكو إيه جيبسيز“، وغيرهم الكثير.

وإضافة إلى ذلك، فقد أسس بتيت موه فرقته الخاصة التي تحمل اسمه “بتيت موه بروجيكت“، وهي ملتقى موسيقي يهدف إلى تفسير وأداء إبداعات وتوزيعات بتي موح وفق الأنماط والجذور الموسيقية المختلفة لعدد متنوع من العازفين (شعبي – أندلوجاز-غناوي).

ويواصل بتيت موه رسالته في التوليف بين الأساليب الجمالية المتنوعة للموسيقى العالمية، دون أن يتنكر لجذوره وارتباطه بالموسيقى التقليدية، وذلك من خلال أعماله المشتركة مع العديد من الفنانين في أوروبا والقارات الأخرى مثل إليادس أوتشوا (فرقة “بوينا فيستا سوشال كلوب”)، ديمن إلبارن، مانو تشاو.