رائدا رقص الهيب الهوب الفرنسي يجتمعان مجدداً لتقديم عمل جديد يحتفي بأمهر راقصي الوسط الفني الذي ينضح بالحياة في مدنية الدار البيضاء (كازابلانكا).

بالتعاون مع المعهد الفرنسي في دولة الإمارات العربية المتحدة، وهو الذراع الثقافية للسفارة الفرنسية، كجزء من الحوار الثقافي الإماراتي-الفرنسي.

يجمع مراد مرزوقي (فرقة ’كيفيش‘، مبتكر عمل ’بيكسل‘) وقادر عطو (فرقة ’أكروراب‘) في دونسيه كازا ثمانية راقصين – سبعة رجال وسيدة – من خلفيات ومدن مختلفة، ليعودا بهم إلى الجذور الأولى لفن رقص الشوارع، ضمن عرضٍ يُعبر عن الشغف الذي يزخر به راقصو كازابلانكا الشباب.

شاهد المقطع الترويجي

موسيقى آسرة ورقص مذهل، يرسم من خلالهما العملُ التوتر الذي يملأ أجواء الدار البيضاء، متأرجحاً ما بين العنف الكامن، والذي يوشك على الانفجار في أية لحظة، والحب الضاري الذي يبقى طي الكتمان. هكذا، يتبادل الراقصون تارةً نظرات التحدي في مواجهات حماسية، وتتشابك أجسادهم تارةً أخرى في مشهد يفيض بطاقة الالتحام الذري. القوة الخام التي تنهض بهم، والغرائز الوحشية التي تجتاحهم على حين غرة، والمخاطر التي تنطوي عليها حركاتهم الأكروباتية – كل هذا يوجِد مناخاً مشحوناً بخطر وشيك، يتمخض في اللحظة الأخيرة عن ثوانٍ من الجمال الصافي يتباطأ فيها إيقاع الزمن.

عن الفنانَّين
قادر عطو
ترسم إبداعات الهيب هوب اليوم، بما فيها الأعمال الراقصة الجديدة المستقلة، صورةً فريدة للثقافة الفرنسية حول العالم. هو مشهد جديد، يحق لقادر عطو أن يفتخر بدور رئيسي في صياغته، فهو أحد أهم ممثلي الهيب هوب الفرنسي، وخاصة من خلال فرقته الأسطورية ’أكروراب‘. يُقدم عطو أعمالاً راقصة معاصرة، تستند إلى مزيج من الثقافات والالتزام الإنساني، مستمدةً إلهامها وقوتها المحركة من مفاهيم المواجهة والحوار والمشاركة. الاكتشاف المثير لرقص ’البريك‘ عام 1989، وعروض ’أكروراب‘ الأولى، ترافقت مع ولادة رغبة في الخوض عميقاً في مسألة المعنى وتطوير نهج فني مستقل. وقد جاءت أولى عروض ’أكروراب‘ على الخشبة من خلال “بيينالي الرقص” في ليون، والتي قدمت الفرقة فيه عرض ’أثينا‘ عام 1994. ثم في عام 1996، قدمت الفرقة تحية للأطفال اللاجئين من البوسنة وكرواتيا من خلال عرض ’كيلكيمو‘، بعد قضائها تجربة مؤثرة في مخيمات زغرب عامي 1994 و1995. أما “صلاة من أجل مجنون” (1999)، والذي يُعد عملاً محورياً في عالم قادر عطو الاستعراضي، فيحاول فيه عطو إعادة بناء الحوار الذي كانت الأحداث الدرامية في الجزائر قد صعبت الوصول إليه أكثر فأكثر بصورة مؤلمة. بعدها، وسعت ’أكروراب‘ أفقها، لتبتكر رقصات غنية ومليئة بالروح الإنسانية من خلال عرض ’أنوخا‘ (عام 2000)، والذي شكل لقاءً بين رقص الهيب هوب والرقص الهندي، وبالتالي بين الشرق والغرب. المحطة التالية في مسيرة عطو كانت عرض “لم لا” (عام 2002)، والذي يسبر عالماً من الشعر والضوء عبر مجموعة من الفقرات التي يتداخل فيها الأداء مع العاطفة والروح الموسيقية؛ ثم تلاه عرض ’دوار‘، والذي جاء في إطار احتفالية “عام الجزائر” في فرنسا 2004، وطرح قضايا النفي والسأم، ليعبر عن هواجس الشباب في الأحياء ومجمعات الإسكان في فرنسا والجزائر. وفي عام 2006، قدم عطو عمل “الأجساد الغريبة“، وهو مشروع دولي شارك فيه فنانون من فرنسا والهند والبرازيل والجزائر وساحل العاج. ويستحضر هذا العمل الحالة الإنسانية، ويبحث عن نقاط اللقاء المحتملة بين الثقافات والأساليب الجمالية المختلفة، ليشيّد من خلال الرقص مساحة للتواصل تتيح سبر أغوار المستقبل. أما عرض “قصص صغيرة. كوم“، والذي أبصر النور عام 2008 لينال استحسان النقاد والجمهور على حد سواء، فيقدم فرنسا كما يراها الشخص العادي من خلال مجموعة من الفقرات التي تمتاز بطابع هزلي، إلا أنها تحافظ في الوقت ذاته على مقاربة ملتزمة وحساسة. وفي العام ذاته، اختير قادر عطو مديراً للمركز الوطني للكوريوغرافيا في منطقة لا روشيل وبواتو شارانت، ليصبح بذلك مصمم رقصات الهيب هوب الأول الذي يتولى إدارة مؤسسة من هذا النوع. بعدها، قدم عطو في عام 2010 عملين: الأول ’تريو (؟)‘ الذي يعود فيه بالمشاهدين إلى عالم السيرك؛ والثاني هو “سيمفونية الأغاني الحزينة“، والذي يقوم على أداء السيمفونية الثالثة للمؤلف البولندي هنريك ميكولاي جريتسكي بكاملها. ويستكشف هذا العرض عملية التلحين الموسيقي من جميع نواحيها، ويحلق بعيداً مع القدرات الصوتية الهائلة، وتتغلغل فيه قوى النغم، ليبعث برسالة أمل.

ثم في عام 2013، عاد قادر عطو إلى أصل الهيب هوب مسترجعاً أحساسيه الأولى من خلال عمل “الجذور“، والذي يشكل مغامرة إنسانية، ورحلة إلى أعماق عالمه الشاعري، اجتمع فيها أحد عشر مؤدياً من أمهر راقصي الهيب هوب، مشكلين فرقة تمتاز بتناغهما الكامل. بعدها، وفي أغسطس من عام 2014، قدم عطو عمل “وقفة مع موتسارت” في إطار النسخة العاشرة من مهرجان “الليالي الرومانية” في بواتو-شارانت. العمل الذي جاء ثمرة تعاون بين المركز الوطني للكوريوغرافيا في لا روشيل وأوركسترا شانزليزيه، يُقدم حواراً حقيقياً بين الرقص المعاصر وموسيقا عصر التنوير، من خلال موستانس موتسارت، والذي يُعد أحد أهم الأعمال الموسيقية. وحمل شهر سبتمبر من العام ذاته عودة قادر عطو إلى “بيينالي الرقص” في ليون، مقدّماً عمل ’أوبُس 14‘ الذي شارك فيه ستة عشر راقصاً وراقصة يجمعون بين القوة والاختلاف والالتزام والشاعرية الجسدية، في عرض يُعد تجسيداً حقيقياً لرقص الهيب هوب. وبعد عامين، عاد عطو إلى “وقفة مع موتسارت” ليقدمه بنسخة مجددة تحت عنوان “وقفة مع موتسارت 1.1“، وذلك في شهر نوفمبر من عام 2016 على خشبة ’لا كورسيف‘ في لا روشيل؛ بمشاركة 11 راقصاً و10 موسيقيين من أوركسترا شانزليزيه. وجاء العرض في سياق فعالية “لا روشيل ترقص!“، وهي النسخة الأولى من مهرجان الهيب هوب الذي يقيمه المركز الوطني للكوريوغرافيا. يُذكر أن قادر عطو نال وسام الفروسية الفرنسي للفنون والآداب يناير عام 2013، قبل أن ينال وسام جوقة الشرف الفرنسي في إطار احتفالات السنة الجديدة عام 2015.

مراد مرزوقي
يجمع مراد مرزوقي، وهو أحد أهم القامات في عالم الهيب هوب منذ تسعينيات القرن الماضي، في أعماله بين العديد من المجالات المختلفة، مضيفاً السيرك والفنون القتالية والفنون الجميلة والفيديو والموسيقا الحية إلى رحلته التي يستكشف من خلالها عالم رقص الهيب هوب. ومن خلال هذه المقاربة التعددية، يفتح مرزوقي الباب لظهور آفاق ومشاهد جديدة كلياً، دون أن يغفل عن جذور حركة الهيب هوب وأصولها الجغرافية والاجتماعية.

بداية مسيرة مرزوقي كانت في عمر السابعة، حيث تلقى تدريباً في فنون السيرك في مدرسة ’سان بريست‘ في الضواحي الشرقية لمدينة ليون، وذلك بالتوازي مع تدريبه على الفنون القتالية. وفي سن الخامسة عشرة، بدأ مرزوقي يميل إلى الرقص متأثراً بثقافة الهيب هوب، وعندها جاءت بداية عمله في تصميم الرقص، ليؤسس بعدها بوقت قصير أولى فرقه الراقصة ’أكروراب‘ عام 1989 بالاشتراك مع قادر عطو، وإيريك مزينو، وشوقي سعيد. مع ’أكروراب‘، قام مرزوقي بتطوير حركات الهيب هوب واستكشاف أنماط الرقص الأخرى بالتعاون مع الفنانين المعاصرين له، مثل ماريز دولانت، وجان فرانسوا دورور، وجوزيف نادج. وقدمت ’أكروراب‘ عمل ’أثينا‘ عام 1994 خلال “بيينالي الرقص” في ليون، لتنال ثناء المتابعين بفضل نقلها الهيب هوب من الشوارع إلى الخشبة، ما أتاح لها الانطلاق إلى العالمية. أما رؤية مراد مرزوقي لقدرة الرقص على التواصل والتعبير عن العواطف، فجاءت خلال عرض قدمته الفرقة في أحد مخيمات اللاجئين في كرواتيا.
وفي عام 1996، قرر مراد مرزوقي تأسيس فرقته الخاصة ليحقق التوسع الفني. وجاء اختيار مرزوقي لاسم الفرقة تيمناً بعرضها الأول: ’كيفيش‘، والذي يعني “القفص” باللغة العربية، ليؤسس لنبرة رمزية تعبر عن انفتاحه ورفضه الانغلاق على نفسه في أسلوب معين.

وقدم مراد مرزوقي بين عامي (1996 و2006) 14 عملاً، يستكشف من خلالها عالم الرقص عبر طيف متنوع من الأساليب؛ كما لعب دوراً محورياً في تأسيس مركز ’بول بيك‘ للكوريوغرافيا في مدينة برون، وإطلاق مهرجان ’كارافيل‘.
وفي يونيو من عام 2009، عُيّن المرزوقي مديراً للمركز الوطني للكوريوغرافيا في كريتاي وفال دو مارن، حيث أطلق مشروعاً تحت عنوان “الرقص: نافذة على العالم“، مع التركيز على قيمة “الانفتاح” بشكل رئيسي. وإلى جانب ابتكاره وأدائه لأعمال جديدة باستمرار، يقدم مراد مرزوقي التدريب ويدعم الفنون الكوريوغرافية والفرق المستقلة من خلال تجارب توعوية فريدة. وفي عام 2013، أطلق مرزوقي مهرجان ’كاليبسو‘، والذي هدف من خلاله إلى الترويج لفرق رقص الهيب هوب على المنصات الإعلامية والإنتاجية الرائجة.

وعُيّن مرزوقي في مارس 2016 مستشاراً فنياً لمشروع ’بول إن سين‘ في برون، والذي يجمع بين مركز ’بول بيك‘ للكوريورافيا، ومسرح ’إيسباس ألبرت كامو‘، والحصن التاريخي في برون، في هدف مشترك يتمثل في التدريب والإبداع والترويج للفنون الأدائية. هكذا، يبقى مرزوقي من خلال مساهمته في المشروع وفياً لنهجه الفني الذي يقوم على مد الجسور بين مختلف الفنون، وفتح المساحات للوصول إلى شريحة أكبر من الجمهور. يُذكر أن مرزوقي عضو في لجنة دعم الفن الكوريوغرافي لدى وزارة الثقافة الفرنسية، ولجنة رعاية الرقص لدى “صندوق الودائع” الفرنسي. كما يُعد مرزوقي أحد الرعاة الداعمين لمنظمة ’لاكا تتش‘، حيث يتخذ من الرقص وسيلةً لتحسين صحة الأشخاص الذين يعانون من الإعاقة والعزلة، وغالباً ما يظهر كأحد ضيوف لجنة التحكيم في برنامج ’جراند بريكس دو باريس لتس دانس